أبي نعيم الأصبهاني

300

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فيها علاج العلماء ، ولم يصل إليها لطيف حكمة الحكماء . لتعلقهم بفقد من الوجد ولو حلت من وجود الحق هذا المحل لأجرت الأحكام مجاريها ، وسلمت من سكرة المعرفة ودواهيها وأما الفرقة التي علت بها الإشارة إلى علم التوحيد فهم الذين صحبوا الأحوال في أوقاتها بالوفاء ، والأعمال بالاخلاص والصفاء ، فلم يرتقوا إلى مقام قبل إحكام المقام قبله ، ولم يتعلقوا بعلم لم يحلوا منه مقام أهله ، وينزلوه نزول المتحققين له حتى يعلو إلى غاية الأحوال الزاكية ، وتفقهوا بعلمها إلى أن أداهم ذلك إلى علم المعرفة فأذعنوا للّه إذ عان المحققين ، وهم في ذلك كله خالون منها بعلاقة الحق التي عنها نشأت العلوم الزاكية ، غلبت عليهم الحقيقة في كل ما أثبته عليهم من الأفعال فلم يحلوا منها من مقام رفيع ونفس مختلسة وطبع منتزع ، إلا بعلاقة الحقيقة الأزلية والعين الألوهية والعلوم الربانية ، بما منحت في ذلك من القوة ، وأعطيت فيه من الصفوة وتجديد الوحدانية ، وفناء البشرية ، فكانت العلوم فيه والاختيارات بتلك العلاقة المبدية لتلك الحقيقة التي أبدعت الحق فأحقت الحق وأبطلت الباطل وبذلك أخبر اللّه أولياءه إذ يقول : ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) . وقال تعالى : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) فلم يتجرد الحق على حقيقة لولى من أوليائه ، ولا صفى من أصفيائه ، إلا ظهر به على كل باطل فقهره ودفعه ، وإن كان الحق أبدعه واخترعه ، فلم يكن الحق في مكان فيبقى فيه أثر لباطل ، أو سلطان لأن من أفنى الحق حركاته البشرية ونفسه الطبيعية وأهواءه النفسانية وأوهامه الآرائية استولى عليه من الحقيقة التي عنها وبها كان التصرف والاختيار والاقدام والاحجام ، والسكون والحركات ، فله علامة موجبة بصحة مقامه وعلو شأنه لا يختلف عليه منه الأفعال ولا تضطرب عليه الأقوال ولا تتفاوت منه الافعال كاختلافها على من بقيت عليه آثاره في أفعاله ، وغلب هواه بهاءه فأسر عقله جهله ، فهو مغرور بما تعلق من اعتقاد علوم لم يسعه بالنزول في حقائقها ، ولا تلحظ مثقال ذرة مما روى منها أهلها من علم التوحيد ومذاق التجريد ، وهو غير موحد وطمع في التجريد وهو غير مجرد . قد اتخذ إلهه